محمد غازي عرابي

665

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

يفعل فيه ما يشاء ، والناس عنه غافلون ، ولأمره خاضعون ، قال سبحانه : وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ [ الإسراء : 64 ] ، وقال ابن عربي استفزز وأجلب فعل أمر ، أي أن الحق هو الذي أمر القرين بممارسة فعله إحداثا للتناقض وإخراجا للمكنونات . والمؤمن يستغيث ربه من قرينه الذي يؤمن بوجوده وإن كان لا يراه ، ولهذا سمي القرين في الدرجات التي تقف عليها النفس النفس الأمارة ، واللّه يحمي عبده قرينه بنور الضمير الذي هو قرين آخر ولكنه صالح يأمر بالخير ، وهو من أشار إليه عليه السّلام قائلا : إلا أن اللّه أعانني عليه فأسلم أي أسلم القرين . . . حتى إذا جاء صبح القرين وشعشع نوره في الأفق المبين طار اليقين ، وأسفر التضاد عن وجود اللّه في الضدين ، وهو إله الضدين ، وهو الذي أناط بالقرين تنفيذ هذه المهمة ليحوش عبده إليه ، فالأمر بين الهبوط وصعود ، ثم عروج إلى أعلى عليين حيث يقرب العبد من ربه ثم يفنى فيه ، فتعود النفس المطمئنة إلى ربها راضية مرضية . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 99 إلى 100 ] حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ( 99 ) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 100 ) [ المؤمنون : 99 ، 100 ] تحدثت الآيتان عن ضحايا القرين الغافلين الجاهلين فهؤلاء مطايا للقرين وكلمتهم التي سبقت من اللّه هي التي كتبت عليهم هذا الضلال ولا خلاص ، وعند الموت ينكشف القرين فإذا هو صورة حاضرة لكنها مظلمة ، فيخافها العبد ، ويطلب اللجوء إلى اللّه ولات حين مناص . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 101 ] فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ ( 101 ) [ المؤمنون : 101 ] الصور القرن ، وهو ما ينفخ فيه فيصدر صوتا ، والصوت موسيقى ، والموسيقى روح الكون ، فالصور هو الجمع الجامع للناس ولهذا جاء في الآية فلا أنساب بينهم يومئذ ، إذ معنى النسب أن ينتسب فلان إلى فلان ، وإلى عشيرة أو قبيلة ، والصور يطوي الإنسان لأن في جمعه فناء الأفراد وبالتالي الأنساب ، والعارفون متحققون بهذا في جمعهم العلمي وهذا ما يسمى في مصطلح الصوفية الفناء حيث لا يرى الصديق شيئا إلا رأى اللّه قبله ، وأنشد دعبل قائلا : ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم * اللّه يعلم إني لم أقل فندا إني لأفتح عيني ثم أغمضها * على كثير ولكن لا أرى أحدا [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 102 إلى 103 ] فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 102 ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ ( 103 ) [ المؤمنون : 102 ، 103 ] ثقل الموازين رجحان كفة الصفات الحسنة ، وصاحبها قد أفلح لأنه دخل في نور الرحمة وبالتالي في الصلاح ، فهو من الصالحين المفلحين الذين أقاموا الصلاة فاتصلوا باللّه .